الرئيسة اخبر عنا اتصل بنا

صفحة الشيخ على الفيسبوك جدول الدروس
أرشيف الدروس

التاريخ : 6/3/1433 هـ

آراء ومقالات

بدعة الاحتفال بالمولد النبوي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده اللَّه فلا مضل لـه ، ومن يضلل فلا هادي لـه، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك لـه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه .

أما بعد : فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

لقد أتم الله لنا هذا الدين ورضيه وأتم به نعمته كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يتركا في سبيل الهداية ولم يدعا مجالاً لمتشرع العامة عليهما بكلتا يديه متمسك بالعروة الوثقى ظافر بخيري الدنيا والآخرة .

} وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { (1) .

وروى الطبراني بإسناد صحيح مرفوعاً :( ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به وما تركت شيئاً يباعدكم عن الله إلا وقد نهيتكم عنه).

كل عبادات المتعبدين يجب أن تكون محكومة بحكم الشرع في أمره ونهيه جارية على نهجه وما سوى ذلك مردود على صاحبه يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .

وقال عمر بن عبد العزيز: « سن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغيير فيها ولا النظر في رأي يخالفها من اقتدى بها فهو مهتد، ومن خالفها واتبع سبيل غير المؤمنين ولاه الله ما نوى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا » .

إن غير سبيل المؤمنين نزعات وأهواء وضلال عن الجادة وشق لعصا الطاعة ومفارقة للجماعة .

لقد بين الشرع للعبادات طرقاً خاصة على وجوه خاصة زماناً ومكاناً هيئة وعددا وقصر الخلق عليها أمراً ونهياً إطلاقاً وتقييداً وعداً ووعيداً وأخبر أن الخير فيها والشر في تجاوزها وتعديها .

ومن رام غير ذلك وزعم أن هناك طرقاً أخر , وعَبدَ الله بمستحسنات العقول فقد قدح في كمال هذا الدين وخالف ما جاء به المصطفى الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وكأنه يستدرك على الشريعة نقائص.

يقول ابن الماجشون : سمعت مالكاً يقول : " من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة لأن الله يقول : } الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ { فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم دينا .

فالابتداع معاندة للشرع ومشاقة له وهو محض اتباع الهوى فليس ثمة إلا طريقان إما طريق الشرع وإما طريق الهوى يقول تعالى : } فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ { (2) .

وقال قتادة رحمه الله في قوله تعالى : } وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ { (3) . هم أهل البدع .

وقال بعض العلماء : كل مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة وبغضاء فهي من مسائل الإسلام، وكل مسألة حدثت فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة فليست من أمر الدين في شيء.

وأصحاب البدع يتبعون المتشابه ويتعسفون في التأويل, حتى أنه فُسر قوله : } هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ {(4) بأنهم أهل البدع .

وتأكد في الأخبار النبوية أنه ما قامت بدعة وإلا وأميت سنة , أخرج أحمد والبرزاني حديث غضيف بن الحارث مرفوعا : ( ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة ) .

فاتقوا الله أيها المؤمنون واعلموا أن في ظهور البدع انطماساً للسنن فالسعيد من عض على السنة بالنواجذ فأحياها ودعا إليها فهدى به مبتدعاً وأنقذ به حائراً .

كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة بشأن بعض القدرية : أما بعد : فإني أوصيكم بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وترك ما أحدث المحدثون مما قد جرت سنته وكفوا مؤنته فعليكم بلزوم السنة فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق فارض لنفسك بما يرضى به القوم لأنفسهم فإنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى بفضل لو كان فيه أجر فلئن قلتم : أمر حدث بعدهم ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم ورغب بنفسه عنهم إنهم لهم السابقون فقد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفي فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر لقد قصر عنهم آخرون فضلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم».

ومن هذه البدع بدعة الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم التي تنتشر في شهرنا هذا في الثاني عشر منه .

وربما سموا ذلك عيد المولد الشريف، وهذا الاحتفال بدعة منكرة ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبع أصحابها إلا الظن، وما تهوى الأنفس، فهو بدعة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا صحابته فلم يفعله أبو بكر ، وهم أسبق الناس إلى الخير .

وهذا الاحتفال لم يفعل في القرون المفضلة وإنها حدث فعله في القرن السادس الهجري تقليد للنصارى الذين يختلفون بمولد المسيح عليه السلام وقد نهانا صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم فقال : ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم).

أضف إلى ذلك ما يوجد في هذا الاحتفال من المحرمات وأعظمها الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر فتجد فيها دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب الحاجات منه وتفريج الكربات، وتجد فيها إنشاد الأشعار الشركية بمدح ولو كان خيراً ما حصل فيه ذلك، وقد يحصل في هذه الاحتفالات الاختلاف، وإنفاق الأموال الباهظة .

ومن العجيب أن الذين يحتفلون بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم هم في الغالب لا يعملون بسننه ولا يحكمون بشريعته فتجد أنهم قد أضاعوا الصلوات وارتكبوا المحرمات

} قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ { (5).

اتقوا الله واعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها .

يقول حذيفة رضي الله عنه:« كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تتعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً » .

وأخرج الدرامي بسند صحيح أن أبا موسى قال لابن مسعود إني رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول : كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول : هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة قال : فماذا قلت لهم ؟ قال : ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك قال : أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء ؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال : ما هذا الذي أراكم تصنعون ؟ قالوا : يا أبا عبد الرحمن ! حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال : فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ! ما أسرع هلكتكم ! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة ؟ ! قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن ! ما أردنا إلا الخير قال : وكم من مريد للخير لن يصيبه .

وروى أن رجلاً قال لمالك بن أنس من أين أحرم قال من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن أحرمت من أبعد منه ؟ قال فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة قال وأي فتنة في ازدياد الخير فقال : مالك فإن الله تعالى يقول : ) فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ (6) وأي فتنة أعظم من أن يُرى أنك قد خصصت بفضل لم يخص به رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فعلينا نبذ بدعة الاحتفال والإنكار على من عملها أو حضرها ، قد يحتج بعض المحتفلين بأن المراد إيحاء ذكره والتنويه بشرفه فنقول هذا مشروع فيه وقت أن يتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرأ في سيرته ونبوه بشرفه ولكن حسب ما جاء في الشرع فطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثال أمره وتحكيم شريعته في كل مجالات الإنسان العامة والخاصة هذا إحياء لذكره وتنويه بشرفه .


_____________________

(1) سورة الأنعام ، الآية- 153

(2) سورة القصص، الآية : 5.

(3) سورة آل عمران، الآية : 105 .

(4) سورة آل عمران، الآية : 7 .

(5) سورة آل عمران، الآية : 31 .

(6) سورة النور63.

 

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

1  -  الاسم : صمت المحب لا     من :      تاريخ المشاركة : 7/7/1433 هـ
روووووووعه

 

طباعة

5554  زائر

إرسال



 

 

 

الموقع برعاية شبكة نور الاسلام