الرئيسة اخبر عنا اتصل بنا

صفحة الشيخ على الفيسبوك جدول الدروس
أرشيف الدروس

التاريخ : 23/8/1434 هـ

منبر الجــمــعـــة

الاجازة ونعمة الفراغ

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران:102].

عباد الله! أوشك عامنا الدراسي على الانقضاء، وبعد أيام قلائل نستقبل الإجازة الصيفية.

إن الفراغ نعمة من نعم الله عز وجل يمن به على من يشاء من عباده، إذا أحسن استغلاله فيما يقرب إليه عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).

إن مما يمر الإجازة الصيفية كثرة الفراغ ووفور الزمن عند كثير من الناس، لكن ما هو موقف هؤلاء الناس من هذا الفراغ ومن ذلك الزمن؟

نلحظ على سلوكيات كثير من الناس قتل هذا الزمن بما يعود عليهم بالضرر، في دينهم ودنياهم، فنلحظ الإغراق في اللهو كلما وجد المسلم شيئاً من الفراغ. واللهو جاء في القرآن على وجه الذم والتقبيح، قال الله عز وجل: ((وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا)) [الأنعام:70]، وقال تعالى: ((وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)) [الأنعام:32].

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل ما يلهو به الرجل باطل )، فاللهو هو ما كان من الأعمال غير الجادة، وهو التلحي عن القيام بالأعمال الجادة إلى الإعمال غير الجادة.

عباد الله! ومما يلاحظ على كثير من الناس مما يتلحون به في هذا الزمن، أنهم لا يتلهون بالمباحات فحسب، بل إنهم يتلحون في كثير من المحرمات، فمن المحرمات التي شغل الناس بالتلحي بها ذالكم الغناء الذي انتشر في بيوتات المسلمين وشوارعهم، قال الله عز وجل: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)) [لقمان:6].

نقل ابن كثير رحمه الله تعالى عن غير واحد من السلف: إن المراد بهذه الآية هو الغناء، وحلف ابن مسعود رضي الله عنه بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن المراد بلهو الحديث في هذه الآية هو الغناء.

وفي الصحيح قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، فقوله: (يستحلون) يدل على أن هذه الأشياء محرمة.

وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى و أبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى حرم على أمتي الخمر والميسر والكوبة والغبيراء، وكل مسكر حرام)، والكوبة: هي الطبلة الصغيرة، والغبيراء: آلة من آلات الطرب، وسأل الإمام مالك رحمه الله تعالى تلميذه ابن القاسم عن الغناء فأجاب قائلاً: قال الله عز وجل: ((فمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ)) [يونس:32]، أفحق هو؟! وقال رحمه الله: إن الغناء إنما يفعله الفساق عندنا، وقال الإمام أحمد: الغناء ينبت النفاق في القلب.

عباد الله! ومن اللهو المحرم الذي أغرق فيه كثير من الناس في أوقات الإجازة وغيرها، العكوف أمام القنوات الفضائية. وإن من أبرز سمات هذا العصر تطور وسائل الاتصال والإعلام، حيث غدا العالم اليوم شبكة متداخلة متصلة الأطراف، فما يجري في أقصى العالم يعلمه ويطلع عليه من في سائره، ولم تعد بقعة من العالم في منأى عن هذا الاشتباك والاتصال، الذي يكاد يطبق على الأرض، فوسائل الإعلام والاتصال على اختلافها وتنوعها تطرق كل باب، وتدخل كل بيت، وتنزل في كل واد، فيطالعها الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والحاضر والبادي، فليت شعري كيف هي الحال لو سخرت هذه النعمة في هداية الناس ودلالتهم على سعادة الدنيا وفوز الآخرة؟ إن هذا القنوات الفضائية شأنها كبير، وأثرها عظيم في تشكيل الآراء والأفكار، وصياغة العقول، وتربية الأجيال.

وإن مما يفزع العقلاء، ويقلق الحكماء، ويقض مضاجع العلماء، أن هذه القنوات أصبحت في متناول كثير من الناس، وأصبح كثير من الناس يقضون أوقاتهم أمام هذه القنوات، أقبلوا عليها إقبال الجائع الصادي على طعامه وشرابه، فأسلموا لهذه القنوات قيادتهم، وعطلوا عقولهم وفطرهم، فتحوا لها أبوابهم، بل وأفئدتهم وقلوبهم، فأعانوا أعداءهم على أنفسهم، فغدا بسبب هذه القنوات المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

إن لهذه القنوات الفضائية على اختلافها أضراراً وأخطاراً عظاماً، تتلاشى أمامها ما قد يوجد فيها من منافع إن وجدت، فالواجب على المسلم أن يتوقى هذه الوسائل، وأن يقي أهل بيته منها، وأن يحذر منها، ( فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ).

إن تقضية الوقت في الإجازة أمام هذه القنوات أمر محرم ولا يجوز؛ لما تتضمنه من أخطار كثيرة، فمن أخطار هذه القنوات: أنها غدت من أهم أدوات الأعداء في تحقيق مآربهم وأهدافهم ومخططاتهم في التسلط على المسلمين، وسلب إرادتهم، والتشكيك في دينهم. إن هذه القنوات تضعف العقيدة بإظهار شعائر الكفر، وتمجيدها والقضاء على مفهوم البراءة من الكفر، وملله وأهله، ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)) [الممتحنة:4].

إن من مفاسد هذه القنوات أنها تقتل الفضيلة، وتحيي الرذيلة، وتشيع الفاحشة وتحاصر الحسنة، وتمجد الفساد والإلحاد، وتزهد في طاعة رب العباد، وتثير الشهوات والغرائز، وتزين السيئات والفواحش، فهي سبب كثير من الانحراف الذي يعانيه كثير من الناس في أبنائهم وبناتهم، إذ هو نتاج تلك المرئيات.

إن من مفاسد هذه القنوات أنها تعود المرء على رؤية المنكرات وعدم إنكارها، وهذا من أخطر مفاسدها، وإنه لمن المؤسف المؤلم حقاً أن ترى كثيراً ممن يحبون الخير، ويحضرون مجامع البر فضلاً عن غيرهم من الخلق، قد استمرءوا جلوس الساعات الطوال أمام هذه القنوات لمتابعة برامج تعج بالمنكرات، فيها النساء المتبرجات، والكلمات القبيحات، والعقائد الفاسدات، فيها الشرور الموبقات، ملئوا بها أبصارهم وأسماعهم وأفئدتهم دون إنكار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، وعن هذه المناظر مسئولون، وعلى تلك الساعات محاسبون.

أما يخشى هؤلاء على قلوبهم الفساد والعطب من تلك المناظر القاتلة، والمشاهد الفاتنة، التي تخرج فيها المرأة بكامل زينتها، قد ارتدت أبهى ملابسها وأكثرها فتنة، تحكي على الملأ كلاماً يبعث في القلوب الشهوات، ويهيج في النفس الغرائز والنزوات، مع ما يصاحبها من مجملات ومحسنات، فأين هؤلاء من قول الله عز وجل: ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)) [النور:30].

ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم:(النظرة سهم من سهام إبليس)؟ ومن مفاسد هذه القنوات: تقليل الخير وهدم بنائه، وتكثير الشر والفساد، فإن ما تبنيه وسائل الإصلاح ومنابع الخير في المساجد والمدارس تهدمه الأغنية الماجنة، وتبغض فيه الأفلام الخليعة، والقصص الرخيصة والمجلات المبتذلة. عباد الله! ومن مفاسد هذه القنوات: أنها تعرض المباريات الأجنبية، والدوريات الغربية مما أدى إلى تعلق كثير من الشباب بأولئك اللاعبين الأجانب، ومحبتهم وولائهم، وهذا كله خلل في كلمة لا إله إلا الله، وخلل في عقيدة التوحيد، وهو محرم يجب على المسلم أن يتخلص منه، وأن يحذر ناشئته من ذلك. اللهم اهدنا ويسر الهدى لنا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن صحابة نبيك أجمعين، وأخص منهم المهديين والخلفاء الراشدين: أبا بكر و عمر و عثمان و علي، وعن بقية العشرة المبشرين، وعن بقية صحابتك أجمعين.

عباد الله! ومن اللهو المحرم التي تقضى به الإجازات: ما يتعلق بالوقوف أمام الإنترنت. إني لا أتكلم على الفئات الراشدة التي تستخدم الإنترنت في مصالحها الشخصية المباحة، أو في مصالح المسلمين، أو في مجالات الخير المتعددة، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الإسلام والرد على أعدائه، ونشر العلم النافع والأخلاق الحسنة، فهؤلاء استفادوا من هذه النعمة، ووظفوها فيما يصلحهم دنيا وأخرى. إنني أتكلم عن ملايين الشباب الذين فتنوا بالإنترنت وولعوا بها ولعاً شديداً، حتى صرفتهم عن معالي الأمور، ووجهتهم إلى الفساد والشرور المتنوعة، ما الذي يستفيده هؤلاء من الإنترنت؟ هل يستفيدون منها في الدعوة إلى الله عز وجل؟ هل يستفيدون منها في معرفة العلوم الشرعية النافعة عن طريق المواقع الإسلامية؟ هل يستفيدون منها في معرفة العلوم الكونية والأخذ بأسباب التقدم والرقي؟ هل يستفيدون منها في البحوث الجامعية المعتمدة على الإحصاءات والدراسات المتخصصة؟ إن مجالات الاستفادة من الإنترنت كثيرة، غير أن معظم الشباب لا يهتمون بتلك القضايا، ولا تعنيهم تلك الأمور، إنهم يستخدمون الإنترنت في مشاهدة الصور العارية، والمشاهد الفاضحة والبحث عن المواقع الإباحية التي تجعل الشاب أسيراً لغريزته البهيمية، ضعيفاً أمام شهوته الحيوانية، فتحرمه من أي عمل نافع مثمر، وتحصره في دائرة ضيقة هي دائرة الغرائز والشهوات، حتى تقضي عليه كلياً. إنهم يستخدمون الإنترنت في إقامة العلاقات المشبوه، عبر مواقع المحادثة أو ما يسمى بغرف الدردشة، وهكذا تضيع الأوقات النفيسة التي يمكن أن يستغلها الشباب في طلب المعالي، يضيعون أوقات الإجازات وغيرها بين مشاهدة صورة عارية، أو إقامة علاقة قذرة بين شاب وفتاة ضائعين. إن الإحصائيات والتحليلات تؤكد أن ثمانين بالمائة من مرتادي مقاهي الإنترنت لم يتزوجوا بعد، وأن سبعين بالمائة من هؤلاء يأتون للتسلية المحرمة والاتصال بالمواقع الإباحية، وأن خمسة وخمسين بالمائة منهم لا يعلم أهلوهم عنهم شيئاً، وأن كثيراً من هؤلاء يتبادلون عناوين المواقع الإباحية حتى في مدارسهم، وهذا يشكل خطراً كبيراً على العملية التعليمية، وأن أغلب مدمني الإنترنت من الشباب قد أثر ذلك في مستواهم الدراسي، فرجعوا القهقرى بعد أن كانوا من المتفوقين.

إن إدمان الإنترنت يؤدي إلى حدوث صراع نفسي داخلي بين ما ترسخ في وجدان المدمن، من قيم تربى عليها وبين هذه القيم الجديدة التي يتلقاها على الإنترنت، كما يعمل إدمان الإنترنت على تفكيك الروابط الأسرية، ودفع العديد من الأفراد إلى الاستغناء عن الطريق الطبيعي لتكوين الأسرة من خلال الزواج والإنجاب، اكتفاءً بما يشاهده في تلك الشبكة.

إن ضعف الرقابة على الإنترنت من قبل رب الأسرة، ومن قبل الأسرة أدى إلى وقوع كثير من أبناء الأسر المحافظة في براثنها.

 

أيها الشاب الفطن! أنت أمام نعمة عظيمة، وهي نعمة الإجازة الصيفية، فعليك أن تستغل هذه الإجازة بما ينفعك، عليك أن تستغلها بما يخدم دينك وأمتك، وعليك أن تجتنب هذه الأساليب المحرمة من اللهو المحرم الذي أشرنا إليه.

ما بالك أيها الشاب؟ أنسيت الهدف الذي وجدت من أجله في هذه الحياة، وسرت وراء أوهام وخيالات، لا حقيقة لها ولا فائدة من ورائها؟ أيليق بك أن تستخدم نعم الله عز وجل في محاربته ومعصيته؟ أين أنت من قول الله عز وجل: ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)) [الإسراء:36]، وعن قول الله عز وجل: ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)) [النور:30]؟ توقف عن معصية الله، ولا يغرك شبابك وصحتك، وكن طبيب نفسك، وداو قلبك بعبادة ربك وذكره وشكره وتلاوة كتابه، واغتنم هذه الأوقات ووقت الفراغ فيما يقربك إلى الله عز وجل.

أسال الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، وأن يعيننا على سلوك سبيل التقوى والاستقامة، فالله الموفق وهو نعم المولى ونعم النصير. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك باليهود الظالمين، والنصارى الحاقدين، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واجعل اللهم الدائرة عليهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك الهدى والرشاد، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم فرج كرب المكروبين، ونفس عسر المعسرين، واقض الدين عن المدينين، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم اجعل ما أصابهم كفارة لسيئاتهم، ورفعة لدرجاتهم يا أرحم الراحمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم.

كتابة تعليق
الاسم:
العنوان:
تأثير نصي:صفحة انترنتبريد الكترونيخط عريضخط مائلنص تحته خطاقتباسكودفتح قائمةعناصر القائمةإغلاق القائمة
التعليق:

 

طباعة

2202  زائر

إرسال



 

 

 

الموقع برعاية شبكة نور الاسلام